ابن بسام
57
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ذكورهم باستخدامك ، وألحف إناثهم جناحك ، جبر اللّه جماعتهم ، وأحسن الخلافة عليكم . فإن انقادت لك الأمور بالحضرة فهذا وجه العمل ، وسبيل السّيرة ، وإن اعتاصت عليك فلا تلقينّ بيدك إلقاء الأمة ، ولا تطبّيك [ 1 ] وأصحابك السلامة فتنسوا ما لكم في نفوس بني أميّة وشيعتهم بقرطبة . فإن قاومت من توثّب عليك منهم فلا تذهل عن الحزم فيهم ، وإن خفت الضعف فانتبذ بخاصتك وغلمانك إلى بعض الأطراف التي حصّنتها لك . واختبر غدك إن أنكرت يومك . وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك ، فإني أعرف ذنبي إليهم . قال : وسمعته يقول لغلمانه عند هذه الوصيّة : تنبّهوا لأمركم ، واحفظوا نعمة اللّه عليكم ، في طاعة عبد الملك أخيكم ومولاكم ، ولا تغرنّكم بوارق بني أمية ، ومواعيد من يطلب منهم شتاتكم . وقدّروا ما في قلوبهم وقلوب شيعتهم بقرطبة من الحقد عليكم ، فليس يرأسكم / بعدي أشفق عليكم من ولدي . وملاك أمركم [ 51 ] أن تنسوا الأحقاد وأن تكون جماعتكم كرجل واحد . فإنه لا يفلّ فيكم . وما زال يقرّر هذا وشبهه لطائفة بعد أخرى حتى ضعف وشغل بنفسه . قيام عبد الملك ابنه بالدولة ولمّا ورد النّبأ بموته ركب عبد الملك إلى هشام ونعى إليه المنصور أباه ، فأظهر الإشفاق ، وعرّفه بما اضطرب من أمر الفتيان وعصيانهم ، فخرج هشام وأمره بتدبير أمرهم بحسب ما يستقيم به أمر الدّولة . وحذّره مواقعة الدّماء وتلقيح الفتنة ، وخلع عليه ، وأخرج معه كتابه بولاية الحجابة مكان أبيه ، وقرئ على الكافّة ، وأنشئ به الكتب إلى الأقطار . وعاقب بعض الفتيان العاصين ، وأخرج بعضهم إلى سبتة ، فما قفلوا عنها إلّا عند وثوب المهديّ بن عبد الجبّار على الدّولة العامريّة . ثم وافى العسكر الكبير مع أخيه عبد الرحمن ، واجتمع الشمل ، وتمكّنت الطاعة ، وأيس الأعداء من دولة بني عامر ، وعلموا أنّها وراثة . وأسقط عبد الملك سدس الجباية لأوّل ولايته في جميع أقطار الأندلس عن
--> [ 1 ] ص : تنظر بك .